ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
250
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
ولم يخلقه فلا تكون الجنة قط إلا محفوفة بالمكاره ولا يكون المكاره قط خفيفة على النفوس هذا محال وجوده . أما تتأملين منذ كم تعدين نفسك وتقولين غدا وغدا فقد جاء الغد وصار يوما فكيف وجدته أما علمت أن غدا الذي جاء وصار يوما له حكم الأمس لا بل ما تعجزين عنه اليوم فأنت غدا عنه أعجز لأن الشهوة كالشجرة الراسخة التي تعبد العبد ( 1 ) بقلعها فإذا عجز عن قلعها للضعف وأخرها كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوي فأخرها إلى سنة أخرى مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجرة قوة ورسوخا ويزيد القالع ضعفا ووهنا فما لا يقدر عليه في الشباب فلا يقدر عليه في المشيب بل من العناء رياضة الهرم ومن التعذيب تهذيب الذنب والقضيب الرطب يقبل الانحناء فإذا جف وطال عليه الزمان لم يقبل ذلك فإذا كنت أيتها النفس لا تفهمين هذه الأمور الجلية وتركنين إلى التسويف فما لك تدعين الحكمة وأية حماقة تزيد على هذه الحماقة ولعلك تقولين ما يمنعني من الاستقامة إلا حرصي على لذة الشهوات وقلة صبري على الآلام والمشقات فما أشد غباوتك وأقبح اعتذارك إن كنت صادقة في ذلك فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية عن الكدورات الدائمة أبد الآباد ولا مطمع في ذلك إلا في الجنة فإن كنت ناظرة لشهوتك فانظري لها ( 2 ) في مخالفتها فرب أكلة تمنع أكلات كثيرة وما قولك في عقل مريض أشار عليه طبيب بترك الماء البارد ثلاثة أيام ليصح ويتهنأ بشربه طول عمره وأخبره أنه إن شرب ذلك مرض مرضا مزمنا وامتنع عن شربه طول عمره فما يقتضي العقل في قضاء حق الشهوة أيصبر الثلاثة الأيام ليتنعم طول العمر أم يقضي شهوته في الحال وليت شعري ألم الصبر على الشهوات أعظم شدة وأطول مدة أم ألم النار فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة كيف يطيق ألم عذاب الله ما أراك تتوانين عن النظر لنفسك إلا لكفر خفي أو لحمق جلي أما الكفر الخفي فهو ضعف إيمانك بيوم الحساب وقلة معرفتك بعظم قدر الثواب والعقاب وأما الحمق الجلي فاعتمادك على
--> ( 1 ) في بعض النسخ « تعب العبد » وفي بعضها « يعتد العبد » ولعل الأخير انسب . ( 2 ) في بعض النسح « فالنظر لها » .